المرأة السعودية وفرص التمكين: من الأرقام القياسية إلى المرحلة التالية

 

خلال عقد واحد انتقلت المرأة السعودية من هامش سوق العمل إلى قلبه. فنسبة مشاركتها الاقتصادية التي كانت تدور حول 17% قبل انطلاق رؤية 2030 تجاوزت اليوم 36%، وأصبحت تشغل 44% من المناصب الإدارية الوسطى والعليا، وتملك ما يقارب 44% من المنشآت المسجلة في المملكة، وحققت معدلات بطالة هي الأدنى في تاريخها. هذه الأرقام لم تأتِ مصادفة، بل نتيجة سلسلة من التعديلات النظامية والبرامج الحكومية وتغيّر في ثقافة سوق العمل، جعلت تمكين المرأة أحد أكثر مستهدفات الرؤية تحققًا قبل موعدها.

يرصد هذا المقال ما تحقق فعليًا بالأرقام الرسمية المعلنة في 2026، ويشرح القطاعات التي تتسع فيها الفرص اليوم، والمسارات المتاحة للمرأة الباحثة عن عمل أو الراغبة في تأسيس مشروعها، والتحديات التي ما زالت قائمة، وما يُنتظر في المرحلة القادمة من مستهدفات وبرامج.

الأرقام التي تلخص التحول

بحسب ما أعلنه المرصد الوطني للمرأة في أبريل 2026، بلغ معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة السعودية في سن العمل 36.3%، وارتفعت حصة النساء من سوق العمل إلى 34.2%، وهما رقمان يتجاوزان المستهدف الأصلي للرؤية الذي حدد 30% لعام 2030، أي أن المملكة حققت الهدف قبل موعده بسنوات ثم تجاوزته. وفي المناصب القيادية، تشغل المرأة 44% من المناصب الإدارية الوسطى والعليا، وهي نسبة تضع المملكة في مصاف الدول المتقدمة في هذا المؤشر تحديدًا. أما في ريادة الأعمال، فتملك النساء 774 ألفًا و123 منشأة، تمثل 43.8% من إجمالي المنشآت في المملكة.

وعلى الصعيد الدولي، حافظت المملكة على تصنيف متقدم في تقرير البنك الدولي "المرأة وأنشطة الأعمال والقانون" لعام 2026، وهو التقرير الذي كانت المملكة قد سجلت فيه أكبر قفزة إصلاحية بين دول العالم في نسخة 2020 بعد سلسلة التعديلات النظامية، وواصلت تقدمها في مؤشر الفجوة بين الجنسين. وتُظهر هذه المؤشرات مجتمعة أن التمكين لم يعد شعارًا بل واقعًا قابلًا للقياس، تتابعه جهات رسمية وتقارير دولية بمنهجيات محددة.

الأساس النظامي الذي أتاح التمكين

لم تكن القفزة في الأرقام ممكنة دون تغييرات نظامية جوهرية أزالت العوائق التي كانت تحول دون مشاركة المرأة. فقد عُدّلت أنظمة العمل لتضمن المساواة في الأجور عن العمل المتساوي، وتمنع التمييز في التوظيف والترقية، وتحظر الفصل بسبب الحمل أو إجازة الأمومة، وأُلغي اشتراط موافقة ولي الأمر للعمل أو السفر أو استخراج الوثائق، وأصبح بإمكان المرأة تسجيل المنشآت وإدارتها والتعاقد باسمها وتسجيل أبنائها واستخراج وثائقهم دون وسيط.

وجاءت هذه التعديلات متدرجة لكنها متسارعة؛ فبين عامي 2017 و2021 صدرت معظم القرارات المفصلية، من السماح بقيادة السيارة إلى تعديلات نظام الأحوال المدنية ونظام العمل ونظام المرافعات، ثم جاءت الأنظمة اللاحقة لتعالج ما تكشفه الممارسة من ثغرات، كنظام الأحوال الشخصية الذي نظم حقوق المرأة في الزواج والحضانة والنفقة بنصوص واضحة بدلًا من الاجتهادات المتفاوتة. والأثر العملي لهذا التدرج أن المرأة التي تدخل سوق العمل اليوم تدخله ببيئة قانونية مستقرة تعرف فيها حقوقها وتستطيع المطالبة بها عبر قنوات رسمية، وهو ما يفسر قفزة الأرقام في وقت قصير.

وفُتحت أمام المرأة قطاعات كانت مغلقة: من قيادة السيارة إلى العمل في الأمن والدفاع والنيابة العامة والقضاء والمحاماة، ومن المناصب الدبلوماسية إلى عضوية مجالس الإدارات والهيئات الرقابية. كما توسعت خدمات حضانات الأطفال ودعمها، وبرامج النقل للموظفات، والعمل المرن والعمل عن بُعد، وهي برامج تعالج الأسباب العملية التي كانت تمنع نساء كثيرات من دخول سوق العمل أو الاستمرار فيه بعد الزواج والإنجاب.

القطاعات التي تتسع فيها الفرص اليوم

لم يعد حضور المرأة محصورًا في التعليم والصحة كما كان لعقود، بل امتد إلى قطاعات لم تكن تُطرح أصلًا:

  • التقنية والذكاء الاصطناعي: تشكل الخريجات نسبة كبيرة من خريجي علوم الحاسب في الجامعات السعودية، وتتوسع فرص العمل في البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني مع نمو القطاع، وقد أصبحت الكفاءات النسائية مطلوبة في الشركات التقنية الناشئة والكبرى على حد سواء.

  • الصناعة والتعدين والطاقة المتجددة: مع توسع المشاريع الصناعية والتعدينية ومشاريع الطاقة الشمسية والرياح، فُتحت وظائف هندسية وفنية وإدارية في مواقع كانت حكرًا على الرجال، ورصد المرصد الوطني نموًا ملحوظًا في حضور المرأة فيها.

  • السياحة والترفيه والفعاليات: القطاع الأسرع نموًا في المملكة يحتاج إلى كوادر في الضيافة وإدارة الفعاليات والإرشاد السياحي والتسويق، ونسبة النساء فيه مرتفعة وتتزايد مع كل موسم.

  • التجزئة والمبيعات والتسويق: مع قرارات توطين مهن التسويق والمبيعات بنسبة 60% في 2026، أصبحت هذه المهن من أوسع الأبواب للخريجات، خصوصًا في التسويق الرقمي والتصميم والعلاقات العامة.

  • القطاع المالي والقانوني: من البنوك وشركات التأمين والتمويل إلى مكاتب المحاماة والاستشارات، حيث تتصاعد نسب النساء في الوظائف المتخصصة والقيادية.

  • ريادة الأعمال والعمل الحر: عبر وثيقة العمل الحر والسجل التجاري الإلكتروني، باتت آلاف النساء يعملن في مشاريعهن الخاصة من المنزل أو من مقار صغيرة في مجالات الأغذية والأزياء والتصميم والخدمات الرقمية.

مسارات عملية للمرأة الباحثة عن عمل أو مشروع

تتوفر للمرأة اليوم منظومة من البرامج التي تربط بين التأهيل والتوظيف والتمويل، ومعرفتها تختصر الطريق:

  • برامج صندوق تنمية الموارد البشرية: تقدم دعم الأجور للمنشآت التي توظف النساء، ودعم تكاليف النقل والحضانة للموظفات، وبرامج تدريب وتأهيل في التخصصات المطلوبة، وهي برامج يستفيد منها صاحب العمل والموظفة معًا.

  • منصات التوظيف الحكومية: التسجيل بملف مكتمل في المنصات الرسمية يتيح الوصول إلى الشواغر المرتبطة بقرارات التوطين، التي تنطبق على النساء والرجال على حد سواء.

  • الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة: تقدم برامج احتضان وتسريع ومسابقات وفرص تمويل موجهة لرائدات الأعمال، إضافة إلى مراكز دعم في المناطق تقدم الاستشارات مجانًا.

  • التمويل الميسر: من برامج بنك التنمية الاجتماعية الموجهة للأسر المنتجة والمشاريع الناشئة، إلى برامج الضمانات التي تسهّل حصول المنشآت النسائية على تمويل بنكي.

  • العمل الحر: وثيقة العمل الحر تتيح للمرأة ممارسة أكثر من مئة نشاط بشكل نظامي، مع الاستفادة من برامج الدعم والتأمينات الاجتماعية، وهي الخيار الأنسب لمن تريد المرونة في أوقات العمل.

ويُضاف إلى ذلك دور الجامعات والكليات التقنية التي توسعت في التخصصات الموجهة لسوق العمل للطالبات، من البرمجة والأمن السيبراني إلى الهندسة والطاقة والسياحة، وبرامج التدريب التعاوني التي تربط الطالبة بجهة عمل قبل التخرج، وهو ما يختصر الفترة بين التخرج والتوظيف التي كانت تمتد لسنوات. كما تقدم جهات مثل بنك التنمية الاجتماعية برامج تمويل مخصصة للأسر المنتجة، وتوفر وزارة الموارد البشرية برامج دعم للعمل عن بُعد تتيح للمرأة في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى العمل لدى شركات في الرياض أو جدة دون الانتقال.

والخطوة الأولى في جميع هذه المسارات واحدة: تحديد المجال المستهدف بدقة، ثم الحصول على المهارة أو الشهادة المطلوبة فيه، ثم الاستفادة من البرنامج الحكومي المناسب بدلًا من البحث العشوائي.

التحديات التي ما زالت قائمة

رغم الأرقام القياسية، تبقى تحديات حقيقية تحتاج إلى عمل. أولها أن نسبة المشاركة وإن تجاوزت 36% ما زالت أقل من المتوسط العالمي للدول المتقدمة، وأن الفجوة في الأجور لم تُغلق تمامًا في بعض القطاعات رغم أن النظام يحظرها. وثانيها أن حضور المرأة في المناصب التنفيذية العليا في الشركات الكبرى والمجالس ما زال أقل من حضورها في الإدارة الوسطى، وهو ما يُعرف بالسقف الزجاجي الذي تواجهه النساء في معظم دول العالم. وثالثها أن التوازن بين العمل والأسرة ما زال يقع في معظمه على المرأة، وأن خدمات الحضانة والعمل المرن، رغم توسعها، لا تغطي كل المناطق والقطاعات بالمستوى نفسه.

ويضاف إلى ذلك تحدٍّ يخص رائدات الأعمال تحديدًا: فرغم أن النساء يملكن قرابة نصف المنشآت المسجلة، يبقى معظمها منشآت متناهية الصغر في قطاعات التجزئة والخدمات، ونصيب المنشآت النسائية من التمويل الجريء والعقود الحكومية الكبيرة ما زال محدودًا. ولذلك تتجه البرامج الجديدة إلى دعم الانتقال من المنشأة الصغيرة إلى الشركة القابلة للنمو، عبر مسرعات مخصصة وصناديق تستثمر في الشركات التي تؤسسها نساء.

كما أن التفاوت بين المناطق ملحوظ؛ فالفرص تتركز في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، بينما تحتاج المحافظات الأصغر إلى مزيد من المشاريع التي توفر وظائف نسائية قريبة من مقار سكن الأسر. وهذه التحديات هي التي تتجه إليها البرامج في المرحلة القادمة، من توسيع الحضانات ودعم النقل إلى برامج القيادة النسائية ومسرعات رائدات الأعمال في المناطق.

ماذا تحمل المرحلة القادمة

مع تجاوز مستهدف المشاركة الأصلي، تتجه الجهود إلى نوعية المشاركة لا كمّها فقط: رفع نسبة النساء في المناصب التنفيذية والمجالس، وزيادة حضورهن في التخصصات العلمية والتقنية الدقيقة، ودعم الابتكار النسائي الذي يظهر في تزايد براءات الاختراع الدولية التي حصلت عليها سعوديات في 2024 و2025. ويعمل المرصد الوطني للمرأة على مؤشرات مركّبة تقيس مشاركة المرأة في التنمية وفي قضايا البيئة والمناخ، بحيث يصبح التمكين مقاسًا بأثره لا بأعداده.

ويرتبط بهذه المرحلة أيضًا تغير في طبيعة النقاش العام حول عمل المرأة؛ فبعد أن كان السؤال قبل عقد هو "هل تعمل المرأة"، أصبح السؤال اليوم "في أي قطاع وبأي مستوى"، وهو تحول ثقافي لا يقل أهمية عن التحول النظامي، لأنه يعني أن الأجيال الجديدة من الفتيات تخطط لمسارها المهني منذ المرحلة الثانوية كما يخطط أقرانهن من الشباب. وتُظهر بيانات القبول الجامعي أن الطالبات بتن يتجهن بنسب متزايدة إلى التخصصات العلمية والتقنية التي كانت حكرًا على الطلاب، وهو ما سينعكس خلال سنوات في تركيبة القوى العاملة في القطاعات الأعلى أجرًا.

وتُسهم المشاريع الكبرى القادمة، من إكسبو 2030 إلى كأس العالم 2034 والمشاريع السياحية والصناعية العملاقة، في خلق مئات الآلاف من الوظائف التي ستكون المرأة جزءًا أساسيًا منها، خصوصًا في الضيافة والفعاليات والتقنية والخدمات. والمرأة التي تستعد اليوم بالتأهيل المناسب في هذه المجالات تضع نفسها في موقع متقدم لاقتناص هذه الفرص قبل أن تُفتح.

الأسئلة الشائعة

ما نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل حاليًا؟ بلغ معدل المشاركة الاقتصادية للسعوديات في سن العمل 36.3%، وحصتهن من سوق العمل 34.2%، بحسب ما أعلنه المرصد الوطني للمرأة في 2026، متجاوزةً مستهدف الرؤية البالغ 30%.

كم تبلغ نسبة النساء في المناصب القيادية؟ تشغل المرأة 44% من المناصب الإدارية الوسطى والعليا في المملكة.

كم عدد المنشآت التي تملكها نساء؟ نحو 774 ألف منشأة، تمثل 43.8% من إجمالي المنشآت في المملكة.

ما أبرز القطاعات التي تتسع فيها الفرص للمرأة اليوم؟ التقنية والذكاء الاصطناعي، والصناعة والطاقة المتجددة، والسياحة والفعاليات، والتسويق والمبيعات، والقطاع المالي والقانوني، وريادة الأعمال والعمل الحر.

من أين تبدأ المرأة الراغبة في تأسيس مشروعها؟ من برامج الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومراكز دعمها، ووثيقة العمل الحر للأنشطة الفردية، وبرامج التمويل الميسر من بنك التنمية الاجتماعية وبرامج الضمانات.



إرسال تعليق

0 تعليقات