الثقافة والفن في السعودية: دليل المهرجانات والمعارض في موسم 2026-2027

 


تحوّل المشهد الثقافي في المملكة خلال سنوات قليلة من فعاليات موسمية متفرقة إلى تقويم كامل يمتد على مدار العام: بيناليات للفن المعاصر والفن الإسلامي، ومهرجانات للسينما والمسرح والفنون التقليدية، ومواسم ترفيهية كبرى تدمج الفن في برامجها، ومعارض للكتاب في مدن عدة، ومتاحف ومراكز ثقافية جديدة تُفتتح في الرياض وجدة والدرعية والعلا. ومع انطلاق موسم الرياض السابع في الحادي والعشرين من أكتوبر 2026، يدخل المشهد الثقافي فترته الأكثر ازدحامًا في السنة، في عام شهد أيضًا تأجيل بعض الفعاليات الكبرى وإعادة جدولتها.

يرصد هذا المقال خريطة الفعاليات الثقافية والفنية في المملكة لموسم 2026-2027: ما ينطلق الآن، وما جرى تأجيله ومتى يعود، وما يميز كل نوع من الفعاليات، وما البنية المؤسسية التي تقف خلفها، وكيف يخطط الزائر والمهتم لمتابعتها، وما الفرص التي يفتحها القطاع للفنانين والعاملين فيه.

موسم الرياض 2026: الفن داخل الترفيه

أعلنت الهيئة العامة للترفيه انطلاق النسخة السابعة من موسم الرياض في الحادي والعشرين من أكتوبر 2026، لتمتد عشرة أسابيع تحت شعار يجمع الرياضة والترفيه والفنون والتجارب العائلية. ويعود بوليفارد وورلد بوصفه وجهة تجمع ثقافات العالم في مكان واحد، وبوليفارد سيتي بمحتوى جديد ومتغير، ووندر جاردن بألعابه، إلى جانب ذا جروفز وسوق المزارعين، ومعرض "أنا عربي" في فيا الرياض الذي يمثل المكون الثقافي الأوضح في الموسم.

ويتضمن الموسم حفلات موسيقية وعروضًا مسرحية وكوميدية، إلى جانب نزالات الملاكمة والمصارعة وبطولات فنون القتال وبطولة التنس "سيكس كينغز سلام". وما يهم المهتم بالثقافة أن موسم الرياض لم يعد ترفيهًا خالصًا؛ فالمسرح العربي والعالمي والمعارض الفنية والعروض التراثية باتت جزءًا ثابتًا من برنامجه، وتُقدَّم في الغالب بأسعار ميسرة أو مجانًا، وهو ما يجعله المدخل الأوسع لجمهور لم يكن يرتاد المسارح والمعارض من قبل.

ويقدم الموسم كذلك فرصًا للفنانين والحرفيين المحليين عبر الأسواق والمناطق المخصصة للمنتجات اليدوية والأزياء والفنون الشعبية، وهي مساحات تحولت خلال النسخ الماضية إلى منصة لعرض أعمال آلاف المشاركين من مختلف المناطق، وتمنح الحرف التقليدية كالسدو والخوص والخزف جمهورًا جديدًا من الشباب والزوار الأجانب. وتجاور هذه المساحات المطاعم والمقاهي والفعاليات الترفيهية، فيلتقي الزائر بالفن دون أن يقصده، وهذا بالضبط ما تراهن عليه الهيئة في توسيع قاعدة الجمهور الثقافي.

البيناليات والمعارض الفنية: الفن المعاصر والإسلامي

تحتل الدرعية موقع الصدارة في الفن المعاصر عبر بينالي الدرعية للفن المعاصر، الذي تنظمه مؤسسة بينالي الدرعية في حي جاكس، ويستضيف فنانين سعوديين وعالميين في أعمال تُنتج خصيصًا للمكان، ويتناوب مع بينالي الفنون الإسلامية الذي يُقام في جدة في صالة الحجاج بمطار الملك عبدالعزيز، ويجمع تحفًا من مقتنيات تاريخية وأعمالًا معاصرة حول موضوعات الإيمان والحج والفن الإسلامي. وتمثل البيناليات الذراع الأكثر حضورًا للفن السعودي عالميًا، إذ تستقطب قيّمين ونقادًا من أهم مؤسسات الفن في العالم وتجعل الفنان السعودي جزءًا من الحوار الفني الدولي.

وإلى جانب البيناليات، تنظم هيئة الفنون البصرية معارض دورية في الرياض وجدة، وتضم الرياض وجدة شبكة من صالات العرض الخاصة التي تقدم معارض شهرية لفنانين محليين، وتحتضن العلا معارض فنية في الأودية والمواقع الطبيعية ضمن مواسمها. كما توسعت المتاحف: من المتحف الوطني في الرياض إلى متاحف جديدة متخصصة في الفن المعاصر والتراث في الدرعية وجدة التاريخية، ومراكز ثقافية تجمع المكتبة والمسرح وصالة العرض في مبنى واحد.

وتستحق العلا إشارة خاصة، فالهيئة الملكية للمحافظة حولتها إلى وجهة فنية تدمج الفن المعاصر بالطبيعة، عبر معارض تُقام في الهواء الطلق بين الجبال الصخرية، وإقامات فنية تستضيف فنانين من العالم ليعملوا في الموقع، ومواسم كشتاء طنطورة الذي يمتد من منتصف ديسمبر إلى مطلع يناير ويجمع الحفلات الموسيقية بالمعارض والتجارب التراثية في البلدة القديمة. كما تضم المحافظة متاحف ومراكز للزوار تعرض تاريخ الحضارات التي تعاقبت عليها، وهو ما يجعل الرحلة إليها جولة ثقافية متكاملة لا مجرد زيارة لمعلم أثري.

السينما والمسرح: ما جرى تأجيله وما يستمر

شهد 2026 تعديلات لافتة في جدول الفعاليات الكبرى. فمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، الذي أصبح خلال خمس نسخ أهم مهرجان سينمائي في المنطقة، أعلن تأجيل نسخته السادسة التي كانت مقررة بين الثالث والثاني عشر من ديسمبر 2026 إلى الربع الأخير من 2027، في إطار مراجعة توقيت النسخة ومتطلباتها اللوجستية، على أن يحل محله هذا العام برنامج ممتد على مدار العام يبدأ في نوفمبر 2026 في جدة التاريخية، يقدم عروضًا وورشًا وفعاليات لصناع الأفلام والجمهور. ويستمر سوق المشاريع التابع للمهرجان في دعم الأفلام السعودية والعربية بالتمويل والتطوير، وهو الذراع التي أنتجت كثيرًا من الأفلام السعودية التي وصلت إلى مهرجانات عالمية.

كما أُجّل مهرجان ساوند ستورم الموسيقي الذي كان مقررًا مطلع ديسمبر 2026 في بنبان بالرياض إلى موعد لاحق لم يُعلن بعد، وأُرجئ معرض صالون الأثاث في الرياض إلى 2027. وفي المقابل، يستمر المسرح السعودي في نموه عبر هيئة المسرح والفنون الأدائية التي تنظم مهرجانات مسرحية ومهرجان الفنون التقليدية الذي أُقيم في 2026 احتفاءً بالموروث الأدائي والهوية الوطنية، ويواصل المسرح الكوميدي والعروض العائلية حضوره في مواسم الرياض وجدة. والقارئ الذي يخطط لحضور فعالية كبرى في هذا الموسم يحتاج إلى متابعة الإعلانات الرسمية لأن بعض المواعيد تغيرت، وبعض الفعاليات حلت محلها برامج بديلة.

ولا تعني هذه التأجيلات تراجع السينما السعودية نفسها، فدور العرض التي افتُتحت منذ 2018 تجاوزت الستين في مختلف المدن، والأفلام السعودية باتت تُعرض تجاريًا وتحقق إيرادات تنافس الأفلام الأجنبية في بعض المواسم، وهيئة الأفلام تواصل برامج الدعم والتدريب وتنظم مهرجان أفلام السعودية في الظهران بالشراكة مع إثراء، وهو المهرجان الأقدم المخصص للفيلم السعودي. كما تنتشر المسارح الجديدة في الرياض وجدة والدمام، ويتوسع عرض المسرحيات العربية والعالمية المترجمة، ما يعني أن المتابع يجد في كل شهر عروضًا سينمائية ومسرحية حتى في غياب المهرجانات الكبرى.

معارض الكتاب والفعاليات الأدبية

تمثل معارض الكتاب الوجه الأقدم والأكثر استقرارًا للفعاليات الثقافية في المملكة، وتنظمها هيئة الأدب والنشر والترجمة في عدة مدن على مدار العام: معرض الرياض الدولي للكتاب الذي يُعد الأكبر، ومعرض جدة، ومعرض المدينة المنورة، ومعارض في المنطقة الشرقية ومناطق أخرى. وقد تطورت هذه المعارض من أسواق للكتب إلى مهرجانات ثقافية تضم ندوات وأمسيات شعرية وورشًا للأطفال وبرامج للناشرين، وتستضيف كتابًا ومفكرين من العالم العربي والعالم.

وإلى جانب المعارض، تنظم الهيئة ومبادرة إثراء وجهات أخرى جوائز أدبية ومهرجانات للشعر والقصة، وبرامج للترجمة تنقل الأدب السعودي إلى لغات أخرى والأدب العالمي إلى العربية. وتُعد هذه الفعاليات الأنسب للأسر والطلاب لأنها مجانية في معظمها وتقدم محتوى لكل الأعمار، وتتيح اللقاء المباشر بالكتّاب الذين تُقرأ أعمالهم في المدارس والجامعات.

ويوازي معارض الكتاب نشاط متنامٍ في قطاعات ثقافية أحدث: فهيئة الأزياء تنظم أسابيع وفعاليات تعرض المصممين السعوديين وتربطهم بالأسواق العالمية، وهيئة فنون الطهي تحتفي بالمطبخ السعودي عبر مهرجانات ومعارض تقدم أطباق المناطق المختلفة وتوثق وصفاتها، وهيئة الموسيقى تدعم الفرق والمعاهد الموسيقية وتنظم حفلات للموسيقى الكلاسيكية والتراثية، وهيئة التراث تشرف على مهرجانات تحتفي بالمواقع الأثرية والفنون الشعبية في مناطقها الأصلية. وهذه القطاعات التي كانت غائبة أو هامشية في المشهد الثقافي قبل سنوات أصبحت اليوم جزءًا من تقويم الفعاليات، وتمنح المهتمين بالثقافة خيارات تتجاوز الكتاب والمسرح والمعرض التقليدي.

البنية المؤسسية التي تقف خلف المشهد

لم يكن هذا التوسع ممكنًا دون بنية مؤسسية أُنشئت لهذا الغرض. فوزارة الثقافة، التي تأسست عام 2018، أنشأت إحدى عشرة هيئة متخصصة تغطي الأدب والنشر، والمسرح والفنون الأدائية، والأفلام، والموسيقى، والفنون البصرية، والتراث، والمتاحف، والمكتبات، والأزياء، وفنون الطهي، والعمارة والتصميم، ولكل هيئة استراتيجيتها وبرامجها ومهرجاناتها. وتعمل إلى جانبها الهيئة العامة للترفيه التي تنظم المواسم الكبرى، والهيئة الملكية لمحافظة العلا ومؤسسة بينالي الدرعية وهيئة تطوير بوابة الدرعية التي تدير مشاريع ثقافية في مواقع بعينها، ومبادرة إثراء التابعة لأرامكو في الظهران التي تُعد من أنشط المراكز الثقافية في المملكة.

وتدعم هذه المنظومة برامج للفنانين والمبدعين: من الابتعاث الثقافي الذي يموّل دراسة السعوديين في الفنون والسينما والموسيقى والتصميم في الخارج، إلى صناديق دعم الأفلام والمسرح، وبرامج الإقامات الفنية، ومسابقات الفنون التقليدية والحرف، وهو ما حوّل الفن من نشاط فردي إلى مسار مهني له مؤسساته ودعمه.

ولهذا التحول أثر اقتصادي يتجاوز الجانب الثقافي، إذ تستهدف رؤية 2030 رفع إنفاق الأسر على الثقافة والترفيه داخل المملكة بدل إنفاقه في الخارج، وخلق وظائف في قطاعات لم تكن موجودة من قبل: من إدارة الفعاليات والإنتاج المسرحي والسينمائي، إلى الترميم والعمل المتحفي، إلى التصميم والأزياء والحرف. وبات الطالب السعودي يجد تخصصات جامعية في الفنون والسينما والتصميم والتراث داخل المملكة، بعد أن كانت الدراسة في هذه المجالات تستلزم السفر، وهو ما يضمن للمشهد الثقافي كوادر محلية تديره في السنوات القادمة.

كيف تخطط لمتابعة الموسم وتستفيد منه

للزائر والمهتم، يسهّل الاستعداد المسبق الاستفادة من موسم مزدحم:

  • متابعة التقويم الرسمي: تنشر وزارة الثقافة وهيئاتها والهيئة العامة للترفيه تقاويم الفعاليات وتطبيقات للحجز، ومتابعتها هي الطريقة الوحيدة لمعرفة المواعيد المحدثة خصوصًا في عام شهد تأجيلات.

  • الحجز المبكر للفعاليات الكبرى: العروض المسرحية والحفلات في موسم الرياض والمعارض ذات الأعداد المحدودة في البيناليات تنفد تذاكرها سريعًا، والحجز قبل أسابيع يضمن المقعد ويخفض التكلفة.

  • الاستفادة من المجاني: نسبة كبيرة من الفعاليات الثقافية مجانية، من معارض الكتاب إلى البيناليات إلى كثير من العروض في المواسم، وهو ما يجعل الثقافة في متناول كل الأسر.

  • التنويع بين المدن: الرياض ليست الوجهة الوحيدة؛ فجدة التاريخية تستضيف برنامجًا سينمائيًا على مدار العام، والدرعية تحتضن الفن المعاصر، والعلا والظهران والمنطقة الشرقية لها برامجها المستقلة.

  • للفنانين والمبدعين: مواعيد التقديم على برامج الدعم والإقامات والجوائز تُعلن قبل أشهر، ومتابعتها تفتح أبواب التمويل والعرض التي كانت مغلقة قبل سنوات.

الخاتمة

يدخل المشهد الثقافي السعودي موسم 2026-2027 بتقويم كامل: موسم الرياض ينطلق في أكتوبر بمكوناته الفنية، والبيناليات والمعارض تواصل عملها في الدرعية وجدة والرياض، ومعارض الكتاب تجوب المدن، وبرنامج سينمائي جديد يحل في جدة محل المهرجان المؤجل إلى 2027. ومع أن بعض الفعاليات الكبرى أُعيدت جدولتها هذا العام، فإن البنية المؤسسية التي بُنيت خلال السنوات الماضية تضمن استمرار المشهد وتنوعه. ومن يتابع التقويم الرسمي ويخطط مبكرًا يجد في كل أسبوع من الموسم ما يستحق الحضور، سواء كان من هواة الفن المعاصر أو القراءة أو المسرح أو التراث، وفي الرياض أو جدة أو الدرعية أو العلا أو الظهران.



إرسال تعليق

0 تعليقات