في نهاية 2016 كان معدل البطالة بين السعوديين 12.3%، وبنهاية 2025 نزل إلى 7.2%، وهو رقم لم يكن كثيرون يراهنون عليه حين أُعلنت الرؤية في أبريل من العام الأول. لكن رقمًا واحدًا لا يختصر مشروعًا بهذا الحجم، فالرؤية حزمة طويلة من البرامج والمبادرات، بعضها يسبق جدوله الزمني، وبعضها أُعيد ترتيب أولوياته، وبعضها ما زال في مرحلة الاختبار. في هذا المقال نراجع ما اكتمل وما تأخر وما ينتظرنا في المرحلة الثالثة الممتدة حتى 2030، اعتمادًا على التقرير السنوي الأخير للرؤية الصادر عن عام 2025 وعلى ما نُشر حوله في الصحافة السعودية، لا على الانطباعات العامة.

كيف تُقاس رؤية 2030 فعليًا، وماذا يعني رقم 93% الذي ورد في التقرير السنوي لعام 2025؟
تقوم الرؤية على ثلاثة محاور هي مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، ويندرج تحت كل محور عدد كبير من الأهداف ومؤشرات الأداء التي تُتابَع سنويًا. وبحسب التقرير السنوي لعام 2025، بلغ 93% من المؤشرات مستهدفاتها السنوية أو تجاوزتها، وحققت 309 مؤشرات من أصل 390 مستهدفاتها المرحلية، فيما اكتملت 950 مبادرة من أصل 1290 منذ إطلاق الرؤية.
هذه الأرقام مهمة، غير أن قراءتها تحتاج شيئًا من الحذر. فنسبة 93% تعني أن المؤشرات تسير وفق الجدول الذي وضعته الجهات المسؤولة لكل عام، ولا تعني أن 93% من الرؤية قد أُنجز فعلًا. والمستهدفات تتفاوت في صعوبتها تفاوتًا كبيرًا، فبعضها يُقاس بسهولة مثل عدد المواقع المسجلة في قائمة اليونسكو، وبعضها يحتاج سنوات من التراكم مثل حصة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد. لذلك فالأجدى أن نقرأ التقرير مؤشرًا بمؤشر، لا أن نكتفي بالعنوان العريض.
الاقتصاد والتنويع: ماذا تغيّر في تركيبة الناتج المحلي بعد أن تجاوزت الأنشطة غير النفطية نصف الاقتصاد؟
سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بنسبة 4.5% في 2025، وهو أعلى معدل سنوي خلال ثلاث سنوات، وتجاوزت مساهمة الأنشطة غير النفطية نصف حجم الاقتصاد الوطني. وتشير بيانات متداولة عن العام نفسه إلى أن الأنشطة غير النفطية نمت بنحو 4.9%، وأن الصادرات غير النفطية بلغت مستوى تاريخيًا قدره 622.87 مليار ريال.
الدلالة هنا أعمق من الأرقام نفسها. حين يصبح أكثر من نصف الناتج قادمًا من خارج النفط، فهذا يعني أن الاقتصاد صار أقل ارتهانًا لتقلبات سعر البرميل في حياته اليومية: في الوظائف والمقاولات والتجزئة والخدمات اللوجستية والصناعة. غير أن الصورة تبقى مركّبة، لأن الإيرادات الحكومية ما زالت حتى اليوم تتأثر بأسعار النفط، وهذا الفرق بين تنويع الاقتصاد وتنويع مصادر الخزينة هو أحد أهم الفروق التي يجب أن يحتفظ بها القارئ حين يتابع الأخبار الاقتصادية.
سوق العمل والتوطين: كيف انخفضت البطالة بين السعوديين من 12.3% إلى 7.2% وما دور مشاركة المرأة؟
تراجع معدل البطالة بين السعوديين من 12.3% في نهاية 2016 إلى 7.2% في نهاية 2025، بينما كان المستهدف الرسمي لعام 2030 هو 7%. وقد لامس المعدل مستوى أقل من ذلك في الربع الثاني من 2025 حين سجل 6.8%، ثم عاد إلى 7.2% بنهاية العام، وهذا التذبذب يذكّرنا بأن سوق العمل لا يتحرك في خط مستقيم، وأن تثبيت المكسب أصعب من تحقيقه.
وفي خلفية هذا التحسن برامج دعم التوظيف وإصلاحات سوق العمل، ومنها برنامج توطين2 الذي يديره صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، وقد أسهم حتى نهاية 2025 في حصول أكثر من 222 ألف مواطن على فرص عمل. كما تجاوزت مشاركة المرأة في سوق العمل مستهدف 30% الذي وضعته الرؤية في بدايتها، بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية في السنوات الماضية، وهو تغيير اجتماعي واقتصادي لا يقل أهمية عن أي رقم آخر في القائمة.
جودة الحياة والمجتمع: ما الذي تحقق في التراث العالمي والتطوع والسياحة قبل موعد 2030؟
في المحور الاجتماعي تبدو النتائج أكثر وضوحًا للناس لأنها تُلمس في الشارع وفي الإجازات. فقد بلغ عدد المواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو ثمانية مواقع، محققًا مستهدف 2030 قبل موعده بسنوات، وتجاوز عدد المتطوعين 1.2 مليون متطوع مقابل مستهدف مليون، وبلغ متوسط العمر المتوقع 79.7 عامًا، قريبًا جدًا من الرقم المستهدف.
أما السياحة فكان فيها أوضح قصة تسارع، إذ أعلنت المملكة تجاوز مستهدف مئة مليون زيارة سياحية سنويًا قبل الموعد المحدد، ثم رفعت سقف طموحها بعد ذلك. والنقطة التي تستحق الانتباه هنا أن القطاع انتقل من هدف على الورق إلى بنية كاملة من الفنادق والمطارات والتأشيرات الإلكترونية، وهو تحول لا يظهر في نسبة مئوية واحدة لكنه يغيّر شكل الاقتصاد المحلي في مدن كثيرة.
المشاريع الكبرى بين التسريع وإعادة الترتيب: كيف غيّرت إكسبو 2030 وكأس العالم 2034 أولويات التنفيذ؟
لا يمكن الحديث عن الرؤية دون المشاريع الكبرى، وهي المساحة التي يدور فيها أكبر جدل. فبعد سنوات من الإطلاق السريع لعدد كبير من المشاريع في وقت واحد، دخلت الرؤية مرحلتها الثالثة بعقلية مختلفة، تقوم على ترتيب الأولويات وربط التنفيذ بالمواعيد الدولية الكبرى، وأهمها معرض إكسبو 2030 في الرياض وكأس العالم لكرة القدم 2034 اللذان يفرضان جداول صارمة لا تحتمل التأجيل.
وهذا يفسر لماذا خضعت بعض المشاريع لمراجعات في حجمها أو في جدولها الزمني، بينما تسارعت مشاريع أخرى ترتبط مباشرة بالاستضافة مثل النقل والمطارات والملاعب والإقامة. وإعادة الترتيب في حد ذاتها ليست دليل فشل، فكل برنامج بهذا الحجم يمر بمراجعة بعد سنوات من التنفيذ، لكن الشفافية في شرح أسباب المراجعة هي ما يحفظ ثقة الناس والمستثمرين على حد سواء.
التحديات التي تخفيها الأرقام الوطنية المتوسطة: تكاليف المعيشة واعتماد الإيرادات على النفط ودور القطاع الخاص
الأرقام الوطنية الإيجابية قد تخفي فروقًا تهم المواطن في حياته اليومية. فارتفاع تكاليف المعيشة، وفي مقدمتها الإيجارات في المدن الكبرى، يضغط على دخل الأسر حتى حين تتحسن مؤشرات التوظيف، وهذا يجعل الحديث عن جودة الحياة مرتبطًا بالقدرة الشرائية بقدر ارتباطه بالترفيه والخدمات.
وهناك تحدٍّ آخر يتعلق بالقطاع الخاص، فالرؤية تراهن على أن يقود جزءًا أكبر من النمو والاستثمار، وهذا يتطلب بيئة أعمال مستقرة وسريعة في الإجراءات وقادرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية بوتيرة أعلى. ويضاف إلى ذلك أن الاعتماد على النفط في تمويل الإنفاق الحكومي يجعل أي انخفاض طويل في الأسعار اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على الجمع بين الإنفاق التنموي والانضباط المالي.
الخاتمة: ما أهم المؤشرات التي يجب أن نراقبها في المرحلة الثالثة حتى عام 2030؟
بعد عقد كامل، يمكن القول بأمانة إن الرؤية غيّرت هيكل الاقتصاد وسوق العمل والحياة الاجتماعية تغييرًا حقيقيًا، وإن الحديث عن أنها وعود بلا نتائج لا تسنده الأرقام المنشورة. لكن يمكن القول أيضًا إن المرحلة الأصعب هي ما تبقى، لأن المستهدفات الأسهل تحققت، وما بقي يحتاج استثمارًا خاصًا أكبر وإنتاجية أعلى وصبرًا على نتائج لا تظهر في عام واحد.
وإذا أردنا ثلاث إشارات نتابعها خلال الأعوام المقبلة، فهي حصة القطاعات غير النفطية في الناتج وهل تواصل الصعود نحو مستهدف 2030، واستقرار معدل البطالة عند مستواه الحالي أو دونه، وجدية تنفيذ المشاريع المرتبطة بإكسبو وكأس العالم في مواعيدها. وسنعود في «نبض الخبر» لهذه المؤشرات مع كل تقرير سنوي جديد.
0 تعليقات